السيد عبد الله الجزائري

23

التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية

تولد من فتح بابه من التبغضات والخصومات الناشئة من اللداد المفضية إلى تخريب البلاد ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذاهب المجتهدين فترك الناس الكلام وفنون العلم وأقبلوا على المسائل الخلافية وزعموا ان غرضهم استنباط دقائق الشرع وتقرير علل المذاهب وتمهيد أصول الفتاوى وأكثروا فيها التصانيف والاستنباطات ورتبوا فيها أنواع المجادلات ولو مالت نفوس أرباب الدنيا إلى علم أخر من العلوم لمالوا أيضا اليه ولم يسكتوا عن التعلل والاعتذار بان ما اشتغلوا به علم الدين وان لا مطلب لهم سوى القيام بفرض الكفاية تقربا إلى رب العالمين والفطن يعلم أنه لو كان غرضهم ذلك لقدموا عليه فرض العين ترى الواحد منهم إذا سألته عن شيء من فقه الظهار أو اللعان أو السبق يسرد عليك من التفريعات الدقيقة أشياء كثيرة تنقضي الدهور ولا يتفق الاحتياج إلى شيء منها وإذا سألته عن معنى من معاني الإخلاص والتوكل والرضا ونحوها مما يجب على كل مكلف في كل حال يتوقف في الجواب ويتلجلج في الكلام بل كثيرا من فروض الكفايات فكم من بلد ليس فيه طبيب الا من أهل الذمة والاحتياج اليه فيما يتعلق بالأطباء من أحكام الفقه أكثر وقوعا منه إلى هذه التعمقات والفروض الذي يتعبون ليلا ونهارا في حفظها ودرسها والبحث عنها ثم لا ترى أحدا يشتغل بالطب ويتهافتون على الفقه الذي شأنه ما عرفت والبلد مشحون من الفقهاء وليس الباعث الا ان الطب لا يتسر الوصول به إلى ما يتوصل اليه بالفقه واللَّه المستعان انتهى وليس الغرض إخراج علم الشرائع والفتاوى من الفقه وسلب صدق هذا الاسم المحمود في الشرع عليه بل الفرق بين ما سبيله الكتاب والسنة على الوجه المتقدم وما سبيله الآراء والظنون التي يستمد بها المتعمقون والإجماعات التي حالها ما عرفت والأول معدود من الفقه وان كان أحط أقسامه وتخصيص هذا الاسم به في عرف الآخرين من قبيل تخصيص اسم الحكمة بالطب الذي هو من فروع أدنى أقسامها اعني الطبيعي كما مر بخلاف الثاني وهذا التفصيل بعينه يجري في المجادلة فإن كانت بالتي هي أحسن دخلت تحت الاستثناء في قوله عز وجل وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . والأمر في قوله تعالى وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . والا فهي المجادلة المذمومة نظير لقسم المذموم من فقه الفتاوى وهما مما يقسي القلب ويبعد عن اللّه عز وجل فان المتمرن فيهما يعتاد الاستعانة بقوة الشيطنة والخروج عن حد